الشيخ محمد الصادقي

112

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

يوسف لكانوا يتسابقون في تأويله حظوة عند الملك كما حظى الصديق ، ولكنهم علموا ظاهرا منه سطحيا فهابوا الملك أن يؤلوه بما علموا و « قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ . . » ! . وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ( 45 ) . « الَّذِي نَجا مِنْهُما » هنا هو « لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا » هناك ، حيث قال له يوسف « اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ » وهو الآن « ادّكر » ما ذكّر قبل « بعد أمة » منه ، ولأن له حظوة ومنزلة في تأويله . . « قال » بكل جرأة وطمأنينة « أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ » تجهيلا للملأ ، وتثبيتا أن ما راه الملك ليس من « أَضْغاثُ أَحْلامٍ » وحتى لو كان منها فان له تأويلا يعرفه أهله « فأرسلون » أيها الملأ ، دون « فأرسلني » إذ لم يكن هو من الملأ المخاطبين المطلوبين ، فهو ساقي الملك وأنّى له أن يكون من الكهنة ورجال الحاشية . وإنما يجرئه على ذلك رغم الملأ ، حيث جرب يوسف من قبل فوجده عليما بتأويل الرويّ صادقا في الحق وحقا في الصدق ، وعلّه استفاد من يوسف - لأقل تقدير - ان لكل رؤيا تأويلا مهما كان من أضغاث أحلام ، وإلّا فكيف يورط نفسه فيما ورّط وأهل التأويل يقولون إن ليس لها تأويل ؟ ! « أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ » والنبأ خبر ذو فائدة عظيمة ، وهو عليّ فيما ترسلون ، وبطبيعة الحال أرسلوه وبأمر الملك وتأكيده . وقد تلمح « وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ » انه ذكر الصديق بفضله وعلمه بتأويل الرؤيا عند ربه ، وانه الذي اوّل رؤياهما فكان كما كان ، إذا فمن ذا الذي يجرأ عند الملك ان يعارك الساقي : ما أنت والإنباء بما جهلنا ، أو ما ليس له تأويل ؟ « أَنَا أُنَبِّئُكُمْ . . . فَأَرْسِلُونِ » فأرسلوه إلى الصديق فأخذ يتلطف